اسماعيل بن محمد القونوي

322

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

وجوده أوجده لا أن المعدوم الأزلي حال عدمه يتعلق به المشيئة فأعدمه وإنما قال ( فهو موجود في الجملة ) لتعلق المشيئة به وعدم تخلف المراد عن مشيئته تعالى فهو موجود في المستقبل لا محالة وأما القول بأن الشيء حينئذ يتناول المعدوم وهو عين مذهب المعتزلة فمدفوع بأن الشيء يتناول المعدوم لغة وأيضا لا ينكر الأشاعرة إطلاق الشيء على المعدوم مجازا كما صرح به الفاضل الخيالي في قوله حقائق الأشياء الثابتة الخ . والحاصل أن مشيئته تعالى تتعلق بالموجود لكن لا بوجوده لأنه تحصيل الحاصل بل بعدمه وبالمعدوم حال عدمه لكن لا بعدمه بل بوجوده كما مر توضيحه وسيجيء أيضا وقيل إن العدم لا يحتاج إلى المشيئة بل عدم مشيئة الوجود كاف في العدم فإن علة عدم المعلول عدم علته لكن كلام المصنف في أوائل سورة الأنعام صريح في تعلق المشيئة بالاعدام المضافة إلى الملكات وهي الاعدام الطارئة على الوجود كما بيناه . قوله : ( وعليه ) أي على أن الشيء بمعنى مشيء وجوده ورد ( قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) والمعنى أن اللّه على مشيء وجوده أو عدمه فهو قدير على إيجاده أو على إعدامه وكذا معنى قوله تعالى اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [ الرعد : 16 ] كل مشيء عدمه أو وجوده وقد مر معنى تعلق القدرة بالموجود والمعدوم وإرادتهما ( فهما على عمومهما ) . قوله : ( بلا مثنوية ) « 1 » المثنوية كالمعنوية بمعنى الاستثناء صرح به أرباب اللغة أي بلا أصل الاعتزال لكونه قولا بأن المعدوم شيء ولعل قصده رحمه اللّه من ذلك التكلف أن الشيء عند الأشاعرة مختص بالموجود وهو قد صرح به فلا يدخل فيه المستحيل وعند المعتزلة يدخل فيه المعدوم الممكن أما المعدوم الممتنع المستحيل وجوده فلا يدخل فيه فإن قيل إذا كان المعدوم لا يسمي شيئا وإذا وجد صار شيئا لا تتعلق القدرة به إذ القدرة إنما تتعلق بالشيء أول وجوده فكيف يكون قادرا على كل شيء أجيب بأنه من باب من قتل قتيلا أي من تسمية الشيء باسم ما يؤول إليه كأنه قال قادر على كل ما يصير شيئا قال صاحب الانتصاف فيه نظر فإن القدرة تتعلق به في أول زمن وجوده وهو في أول زمن وجوده شيء بلا خلاف بين المسلمين إذ لو لم يكن شيئا في أول وجوده لم يكن شيئا في ثاني الأحوال أقول للشيء في أول تعلق القدرة به إن كان موجودا يلزم تحصيل الحاصل وإيجاد الموجود وإن كان معدوما لا يكون شيئا فلا بد في التفصي عنه إلى ما أجيب به أولا من تسمية المشارف إلى الشيء باسم ذلك الشيء . قوله : وعليه قوله تعالى أي وعلى كون الشيء مطلقا على المشيء قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ البقرة : 20 ] أي على ما يشاءه قدير واللّه خالق كل ما يشاءه فيهما أي الشيئان الواقعان في هاتين الآيتين على عمومهما بلا مثنوية أي بلا استثناء بعض الأشياء من حكم القدرة والخلق ومقصوده من بيان عموم القدرة في هاتين الآيتين من غير استثناء الرد على المعتزلة فيما ذهبوا إليه من أن بعض الأشياء كأفعال العباد خارج عن هذه المشيئة فهي ليست بخلق اللّه تعالى بل بخلق العبد .

--> ( 1 ) قيل قال النابغة : حلفت يمينا غير ذي مثنوية * ولا علم إلا حسن ظن بصاحب وقال العلامة في شرح أبيات الكتاب شارحا له مثنوية استثناء كأنه قيل حلفت غير مستثن .